خلافاتنا تقرب بيننا
الخلافات ملح الحياة الزوجية كما يقال، ومعظم زيجات هذا العصر تطالها الخلافات التي تظل في خانة الأشياء الصحية والطبيعية ما لم تتجاوز الحدود المتعارف عليها، لتتحول إلى أزمات تزيد من تباعد الأزواج وتجعلهم يعيشون كأغراب في بيت واحد
مع ذلك يمكن لهذه الخلافات أن تكون فرصة لتقريب المسافات بين الأزواج وتوطيد علاقتهم أكثر، كيف؟ نساء نقبت عن الجوانب، واستقت هذه الشهادات.
شك وهجر وهواجس
ما عانته زينب، 35 سنة، من هواجس، ابتدأ بخلاف بسيط: "لم أكن أعرف أن زوجي يمر بضائقة مالية، فهو مطالب بتوفير مبلغ مالي مهم للوكالة البنكية التي يتعامل معها بعد عجزه عن تسديد أقساط متتالية من أحد القروض، انعكس هذا المشكل على نفسيته، وخيم بظلاله على البيت، وهو ما أدى به إلى الصمت طوال الوقت والشرود بعيدا، حاولت أن أخرجه من هذه الحالة دون جدوى، فكان يمعن في تجاهلي لدرجة أصبح يفضل النوم بمفرده، هاجمتني الشكوك والوساوس، فانفجرت في وجهه متهمة إياه بالخيانة والدخول في علاقة عاطفية، فما كان منه إلا أن ازداد صمتا، لم أتحمل طويلا تجاهله، فقررت العودة لبيت أهلي، وهناك مكثت لمدة تراوح الشهر، دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عني، فهمت أن زوجي يفضل الانفصال خاصة أنني لم أوفق في الإنجاب، واتصلت به لأطلعه على قراري ولكي نرتب الأمر بهدوء، فاجأني صوت حماي في الهاتف يرد على مكالمتي مستغربا عدم وجودي في البيت، ومنه عرفت أنه جاء حاملا المبلغ اللازم للقرض لحل الأزمة التي لم أكن أعلم شيئا.
عدت لبيتي على وجه السرعة بعد أن تبينت سبب صمت زوجي، عاتبته على عدم إخباري وإشراكي في مشاكله، وتحجج بكونه لم يكن قادرا على التفكير السليم، وأنه لم يكن راغبا في تحميلي هما إضافيا. بعد انفراج الأزمة، صرت أكثر تريثا في الحكم على تصرفات زوجي، وأكثر مرونة في التعامل مع خلافاتنا اليومية، كما جعلتني هذه التجربة أغير نظرتي للكثير من مواقف زوجي السابقة التي كنت أحكم عليها بانفعال، ويرد عليها بحكمة".
ويؤكد خبراء علم النفس أن الصراعات النزيهة تقوي العلاقة الزوجية، ولذلك فتصريح كل طرف بما يضايقه في علاقته بالطرف الثاني يصفي الدواخل، ويبعد عن العلاقة زيف الديبلوماسية، فالحوارات، والنقاشات حول المشاكل التي تعتري طريق كل الأزواج توطد أواصر المودة، حتى لو لم يجتمع الطرفان حول رأي واحد، لكن المؤسف هو ميل الأزواج للنقاشات التي تنتهي باتهامات حادة من كل طرف للآخر، وتوصل إلى طريق مسدود، الحوار بعقلانية وهدوء وصوت غير عال، يمكن الاقتراب من الجزم بأنها وصفة سحرية لتجاوز الخلاف الزوجي، أيضا تحديد ما يستطيع وما لا يستطيع كل طرف تحمله من سلوك وتصرفات الطرف الآخر، مسألة فاصلة في تجاوز الخلافات، مع إعطاء كل طرف فرصة الدفاع عن نفسه وتشجيعه على المناقشة حتى لا يتحول الأمر إلى معركة ربح وخسارة.
كيفية تدبير الخلاف
صحيح أن موقف عبد اللطيف، طبعه التفهم لاحتياجات زوجته، وهو أمر محمود يمكنه طرد شبح الخصومات الحادة، وامتصاص ومعالجة أشد الخلافات، إلا أنه موقف وسلوك من الصعب الرهان عليه، فلكل طريقة تفكيره، وقدرته على التحمل، وفي حياة كل زوج أو زوجة أولويات، قد يكون في تقديرات أحدهما خلل في ترتيب أولوياته، كأن يأتي العمل في الدرجة الثانية عند الزوج، في حين لا تضعه الزوجة إلا في المقدمة.
وتفسر "خديجة أمتي" أستاذة علم الاجتماع، بأن سوء تدبير الخلافات بين الزوجين، هي نتيجة طبيعية لوضعية التواصل غير السليم التي يعيشها معظم الأزواج، فمن المهم في نظر هذه الأستاذة، أن يعرف الشريك بأحلام ومخططات المستقبل للطرف الآخر حتى لو لم يوافق على بعضها، المهم أن يتحدث الزوج أو الزوجة عن ما يفكر فيه من مشاريع خاصة أو شخصية، كإنشاء مشروع تأجيل مسألة الإنجاب أو غيرها، المهم أن يتفهم كل منهما أفكار ومبادئ الآخر، فيعملان على تحقيق الطموحات والأهداف في الحياة الزوجية، مع إبقاء الباب مفتوحا لمناقشة كل الأشياء العالقة، وتهمس "خديجة أمتي" في أذن كل امرأة أنه من المهم جدا التخطيط للاحتفاظ بخصوصيتها بعيدة عن حميمية الزوجية والثنائية، أي الاحتفاظ بشخصية مستقلة لأنها تغني العلاقة مع الزوج، وتترك مساحة لتفادي الخلافات.

