الصراحة: من أين تبدأ وأين تنتهي؟
هل الصدق والوضوح والمكاشفة بين الزوجين في كل ما يخص حياتهما الزوجية أو حتى غير الزوجية أشياء إيجابية لضمان استمرار العلاقة الزوجية أم أن للصراحة حدود لا يجب تجاوزها حتى لا تتحول إلى هزات تؤثر بشكل مباشر على كيان الأسرة بكامله؟
كيف يجب التعامل فعلا مع الصراحة حتى تأخذ حجمها الطبيعي والعادي، أي باعتبارها كتابا مفتوحا يقرأ فيه كل طرف الطرف الثاني بوضوح تام، بعيدا عن الغموض والكذب والخداع؟
إذا كان الكل يتفق على أن غياب الحوار داخل مؤسسة الزواج هو مؤشر قوي على انهيار العلاقة الزوجية لما يجره عليها من ويلات الشك وسوء الفهم، فليس من المدهش أن نفاجأ يوما بإخفاق علاقة بهذا الشكل، ليبقى السؤال: هل الصراحة معناها تحطيم جدار الصمت بين الزوجين والبوح بكل شيء للطرف الثاني أم أنها تقتضي قدرا من الذكاء والفطنة والحكمة حتى لا تتحول إلى عكسها؟
الصراحة تواصل
يرى أستاذ علم النفس الاجتماعي عبد الرحيم عمراني أن الصراحة في إطار مشروع الحياة الزوجية، هي نوع من التواصل المتبادل بين شخصين تربطهما علاقة المحبة والمودة والدفء وفي إطار كبير من الحميمية. من مواصفاتها وحسب عبد الرحيم عمراني، أن تكون في كل المجالات، على اعتبار أنها تستجمع قدرا كبيرا من الحميمية، ذلك أن الحياة الزوجية هي الفضاء الوحيد الذي تتبادل فيه الخصوصيات الذاتية مع الطرف الآخر، وتتبلور داخله عدة مستويات من الصراحة التي لا يمكن أن نشركها مع أي حد آخر خارج هذا الفضاء الأسري الحميمي.
في الصراحة راحة
يرى بعض الأزواج أن الصراحة هي جزء من المشاعر تجاه الآخر، مما يفتح المجال واسعا للمودة والتفاهم والمحبة التي تخيم على أجواء الأسرة دون مشاكل على اعتبار أنها أساس الحياة السعيدة. تقول نفيسة (46 سنة، أستاذة): "مر على زواجي أكثر من خمسة عشر سنة، كان الحوار التام سيد الموقف، فلم أخبئ على زوجي شيئا بل على العكس، أخبره بكل شيء.
كنت أظن أن من الجدية تبادل الأسرار مع الزوج، وبالنسبة لي، لا مجال لإخفاء أي شيء عنه، إذ مع الوقت تتضح كل الأمور ولست في حاجة لانتظار ما يستبطنه زوجي عني أو استبطنه أنا عنه فتحدث المفاجأة.
غياب الحوار معناه غياب الثقة، وما دمت أحب زوجي وعندي رغبة أكيدة في الحفاظ عليه بجانبي ونفس الشيء بالنسبة إليه، فإن الصراحة شعار حياتنا معا".
هذا الرأي توافق عليه نعيمة (35 سنة، ربة بيت) بالقول: "لا يمكن أن يجتمع الكذب والمراوغة وغيرهما من الصفات السيئة مع قواعد الصراحة والصدق والثقة، لأن هذا يتنافى مع وضع أسرتي المستقر. الصراحة تتطلب مناخا ملائما يعتمد الثقة المتبادلة، فأنا مع الصراحة بمعنى قول كل شيء حتى وإن كان ما سأقوله جارحا في بعض الأحيان. بالنسبة لوضعي مع زوجي، نحن صرحاء وهذا قوى رباط علاقتنا وزاد من تمسكنا ببعض وسهل علينا حلول مشاكل كثيرة، يمكنني القول إنني كتاب مفتوح بالنسبة لزوجي والأمر كذلك بالنسبة له، غير أن تقبل الصراحة أو استيعابها مرتبط بشخصية الفرد وثقافته وبيئته، وبالتالي ففي الصراحة راحة".
رأي الأخصائي عبد الكريم عمراني أستاذ علم النفس الاجتماعي الصراحة ليست مجرد كلام، بل هي المفتاح السري لكشف الآخر
ـ هل ثقافة الصراحة الزوجية حاضرة في كل أبعادها وبكل مواصفاتها في الأسرة المغربية؟
ــ أظهرت نتائج بعض الدراسات، التي اهتمت بهذا الإشكال، أن الأزواج الذين يعيشون حميمية الحياة الثنائية وثقافة الحوار وثقافة الصراحة المتبادلة وثقافة الإنصات للآخر، سواء على المستوى الذاتي أو المهني، ينعمان بعلاقة زوجية هادئة وبحميمية الانجذاب الثنائي، بمعنى أن كل واحد منفتح على الآخر، يصرح له عما يدور في حياته الشخصية، وهذا معناه وجود ثقة متبادلة وبناءة، لكن، عندما يغيب هذا التبادل، تتحول الحياة بينهما إلى هواجس وظنون ومؤاخذات لا تنتهي إلا بانتهاء هذه العلاقة أحيانا.
من هنا نستحضر أن المجتمع المغربي مجتمع ذكوري، ثقافة الصراحة عند الرجل فيه ثقافة الصراحة عند الرجل فيه ثقافة محاطة ضمنيا بالحذر وبالاحتياط، وبالتالي فالتواصل داخل مؤسسة الزواج هو مرتبط بالمجال الوظيفي. من خلال الدراسات الإكلينيكية أو التتبعية أو الإنصات.
السيكولوجي الذي نقوم به، يتضح، رغم وجود تواصل على المستوى الأسري الوظيفي (المأكل والمشرب وما يخص الأبناء)، أن هناك مجالات يبتعد عنها فضاء الصراحة، بمعنى ثبوت حواجز وغياب تام للصراحة في المجالات الحميمية لدى العديد من الأزواج.

