المغاربة وثقافة الحولي
إيقاعات التحضير له لا تخذل التأكيد على أنه فعلا العيد الكبير حسب التسمية المتداولة عند المغاربة، وصف لا يعكس القيمة المعنوية لهذه المناسبة فحسب، بل أيضا إكراهاتها المادية التي أوحت لعبقرية البنوك بتركيز الحلول في شبابيكها على شاكلة سلفات الكبش، مثلما ألهمت المحلات التجارية الكبرى استباق الموعد بإجراء "طومبولا" تثير طمع الفوز بالمادة الدسمة "حولي بكرونو"
لكن خلف هذا وذاك، تعيش الغالبية ضغوط الارتباط ببعض الشكليات التي تحافظ على ماء الوجه في اعتقادها، فيما تحررت الأقلية من فائض التزامات متجذرة، تبدأ من ميزانية الكبش المبالغ فيها، مرورا بتدبير الاحتفال بقليل من الجهد حفاظا على رمزية المناسبة.
كنعيد بشهوة الناس
كثيرا ما يحسم البعد الاجتماعي كليا في تأسيس اختياراتنا أكثر من الإرادة الشخصية أو الذاتية، بل قد يحسم هذا البعد أيضا حتى في المرجعية والمنطق الديني حسب الملاحظين الاجتماعيين، إذ يصبح تحقيق الاستمتاع والرضا الخارجي سلوكا يوميا ولو أدى ذلك إلى الشقاء الداخلي، خلاصة هذا المعطى فوضى وخلط بين الملزم وغير الملزم، الممكن واللاممكن لدرجة نسيان التشديد على من "استطاع إليه سبيلا" في التعلق ببعض المحطات في حياتنا.
"سليمة" اختياراتها على الخوف المرضي من ردة فعل المحيط حول نوعية الأضحية المناسبة لوضعها الصحي، فقد أصيبت بداء السكري منذ ثلاث سنوات غير أن هذا المستجد لم يكن حاسما في تغيير عاداتها الغذائية والاحتفالية بكبش العيد أو "الحولي" الذي مازال ينزهها حسب تصورها عن التصنيف ضمن الفئة المحتاجة، لذلك وجدت في الاكتفاء بالماغز ليلة عيد الأضحى تأكيدا لعجزها أو لطبعها البخيل، وجهة نظر لا تختلف عن ما يفكر فيه الكثيرون حتى ولو كان الدافع نصيحة طبية أو اختلاف في الأذواق، تقول سليمة:
"قبل إصابتي بالسكري كان التفاخر بكبش العيد بين الجيران والأقارب سلوكا وطبعا نلتزم بهما حرصا على إظهار الجودة في الاختيارات الغذائية أمام الآخرين، هذا التعامل الحساس مع كبش العيد جعلني أضاعف من ميزانية المناسبة بدل الاكتفاء وزوجي بالملائم بعد تأكد إصابتي بالسكري، إذ صار الخروف مجرد مظهر لتعزيز المقدرة والتعالي عن الحاجة وتجنب الاستصغار في عيون المعارف.
بينما تشكل ذبيحة الماعز أو "العنزي" مصدرا لوجباتي الغذائية دون القبول بأن يحتل مكان الحولي كليا، أو الاعتراف بأني عيدت بالجدي في ليلة التباهي بأجمل القطيع".
بوعي أو من دونه، يتدخل الآخر في تحديد أذواقنا والسيطرة عليها ولو بالتلميح غير المباشر، والأدهى أن سلطة هذا الآخر، الذي يعتبر النائب الشرعي للضمير الجماعي، تصبح أقوى من المرجعية والقواعد التي شرعت الاحتفال، وبررت رمزيته ودلالته البعيدة عن المباهاة المجانية، معطى كهذا يجعلنا نتساءل عن ما إذا كان 87 في المائة من المسلمين الذين يحتفلون بالكبش لا بالحالة الرمزية للمناسبة "يعيدون" بالشكل الصحيح؟
ولاءات مملة لبيت العائلة
البعض يجد في الإكراه المادي لعيد الأضحى الضغط الوحيد الذي يعبث بمظهر الفرح، ويسحب الحالة النفسية من مغطس النشوة الذي تنقع فيه على امتداد أيام وشهور الاستعداد للمناسبة، فيما يلازم البعض الآخر إحساس بغربته وتدمره من عادات مرهقة تصيبه بملل ولا جدوى من الانخراط في تفاصيل لا تتعدى الشكليات المجانية.
سميرة صحفية، ترى أن الارتباط بتقاليد المناسبة المبالغ فيها مصدرا للإزعاج والتذمر، فقد وجدت نفسها منذ زواجها مبرمجة على الاحتفال في بيت حمويها بدعوى أنه البيت الكبير الذي يجمع كل العائلة، اختيار أصبح تقليدا لم تستطع الانفلات من تبعاته حتى ولو صار بيتها الجديد يتسع لمراسيم ذبح الخروف، تقول سميرة:
"إرهاق المناسبة تعبث بالفرحة، والسبب الإفراط في طقوس تصيب بالملل طيلة أيام الالتزام في بيت حمواي، أكثر من ذلك لا يمكن استنتاج شيء غير التعب جراء ذبح ست أضحيات في يوم واحد وفي نفس البيت، والخلاصة استعداد دائم للمعاناة من نفس الوضع مادام كل الأشقاء يجتمعون في ذات المكان كل بخروفه، هذه السلبيات أخفف من التفكير فيها بالتركيز على الاحتفاظ بنصف الخروف بينما النصف المتبقي أهديه لعائلة في حاجة إلى ما يؤكد أنها في ليلة عيد".
عيد بدون أضحية... لما لا؟
"الأضحية سنة وليست فرضا"، تبرير تقدمه فاطمة كتاني أخصائية نفسية لتؤكد ما قد يجعلها الاستثناء داخل أجواء تربط عيد الأضحى بالذبح "أنا ما كنعيدش بالذبيحة"، فالوضع ليس حالة شاذة في اعتقادها مادام كبش العيد حسب قولها:
"قد تحول إلى إكراه اجتماعي أكثر منه واجب ديني، مثلما لا تخرج الطقوس الاحتفالية للمناسبة عن التوتر والضغط النفسي بسبب الزيادة في أشغال البيت في هذا اليوم على المرأة بالضرورة، لهذه الأسباب التزمت بالاحتفال الروحي بالمناسبة منذ عشرين سنة وهو عمر زواجي، مثلما تدرب ولداي على نفس القناعة واستوعبا أن العيد ليس وليمة كبش، وسباق نحو التفاخر بجودة الأضحية، وكلفة مادية تصل حد السماح للبنوك بحل عقدة الارتباط بالحولي رغم أن وضعنا ميسور، هذا الإيقاع عشنا أجواءه في الشرق وبالضبط في العربية السعودية حيث للمناسبة اعتبارات تضامنية أكثر من أي شيء آخر، لذلك كانت القلة القليلة هي من تلتزم بطقس ذبح الكبش بعيدا عن البيت، والجميل التصدق به لمن يعانون من وضع يستدعي إحساسا خاصا بمعاناتها".

