عالم العازبات: ضحك، لعب، جد وحب
بعيدا عن التفكير فيما إذا كانت اختيارا أم تحصيل حاصل لوضع ما، وبمنآى أيضا عن السؤال التقليدي المتجاوز الذي يواجهن به عادة: باقا ماتزوجتيش، وما كاين جديد؟ بل وقريبا من كونها مرحلة فقط أو حتى حكما قدريا أبديا
تثير حياة العازبات في المجتمع أهمية بالغة لخصوصيتها التي تتراوح بين الصخب والهدوء، الجد والهزل، عالم قد يعكس شكلا مختلفا من المعيش اليومي الذي تحدد كل ملامحه عزوبية العازبات. فهل هناك من مغريات خاصة بهؤلاء؟ وهل وضع الاستقلالية يحسن من جودة عيشهن مقارنة بالمتزوجين؟
في رأي علماء الاجتماع ليس هناك نموذج لحياة واحدة ومستنسخة كليا للعازبات، بقدر ما هناك ملامح متقاربة في مغرياتها وقيمة المعيش اليومي الذي يوحده سقف الاستقلالية بالنسبة لحياة كل عازبة، فلكل أحلامها التي قد تلتقي أو تختلف مع أحلام من تنتمي لنفس الحالة الاجتماعية، لكل شخصيتها التي من الممكن أن تجعلها تحيا عزوبيتها بلياقة تعكس نموذج عازبة لا تعبث بمراحل العمر، ولا تقف عند الجزئيات التي لم تتحقق في حياتها لتحولها إلى مركبات للفشل، مثلما قد ترسم طبيعة الشخصية علامات التهور بشكل كلي على حياتها حد السماح للآخرين بتبرير حالتها على أنها تهور "العازبات"، توصيف يحمل خلفية قدحية في الغالب، لكن بالنسبة للمعنية هو عالمها الذي تحدد كل خياراتها فيه، وتنساق مع المغريات المتجددة التي تحولت إلى احتياجات تفرض التساؤل عن ما إذا كانت الميزانية تسمح بتحقيق جودة العيش بدء من الحصول على خدمات خاصة بالعازبات والعزاب في وكالات السفر التي مازالت برامجها تقصي الاهتمام بمطلب رحلات تحمل بدورها شعار للعزاب فقط؟ إذ ما بين إغراءات الأزياء وجاذبية الموضة وبريق المجوهرات وسحر السيارات وأشياء أخرى، وبين حدود الممكن هل تحدث مفارقات تفرز لنا شريحة عازبات من نوع آخر.
لا أفكر في عزوبيتي
"لا أحمل حالتي العائلية معي لأقيس بها الممكن واللاممكن، والمسموح به وغير المسموح به أيضا، أنا أعيش على قناعة أن ما يتحكم في حياتي هو احتياجاتي، ولا أستحضر عزوبيتي مطلقا كحاجز أو حصانة لي، أكثر من ذلك، أعتبر استقلاليتي التي فرضتها العزوبية الرصيد الأقوى الذي ساعدني على أن أكون مصورة صحفية، مهنة كان من المستحيل الاستمرار فيها بعيدا عن عالم العزوبية".
تقول زليخة أسيدون التي حملت لأول مرة في المغرب كاميرا التصوير الصحفي في محاولة لاقتحام مجال احتكره الرجال حتى صار مهنة تغزلها جينات الذكور، هي واحدة من الكثيرات اللائي يتدبرن أمور الانتساب لعالم العازبات من دون الإحساس بأنها في وضع استثنائي، أو أن نصيبها من احتياجات الحياة محدود ومحاصر بالشكل الذي تحسه الكثيرات ممن يبدين تذمرا من بعض الخدمات التي تحمل عبارة للعازبات فقط، إقصاء لا تنظر إليه زليخة باعتباره كذلك، بقدر ما تفكر في كون لها تأشيرات من الإيجابيات، وأن استقلاليتها قد خولت لها أن تحسب على النموذج الذي يحدد ملامح عالمه بالتركيز على العمل كأولوية دون غيره حتى ولو لم "يمنحني الوقت الكافي للنظر إلى الرجل نظرة إعجاب" تقول زليخة.
ضحك ولعب على "النيت"
من أسرارهن في عالم الشات، أن علاقات الإنترنيت ترفع كلفة الإحراج والتردد والخوف الذي يحدث للغالبية في اللقاءات المباشرة بالنصف الآخر، ومن اعترافاتهن أيضا أن البوابة العنكبوتية هي اختبار جيد لترويض المشاعر، واكتساب خبرات التجاوب والتعامل مع الآخر الذي يصبح أيضا سببا في تحقيق المتعة ولو من باب الترفيه والهزل، والمؤكد لديهن قبل كل شيء أن للكذب دور في تدبير حالات كثيرة من باب الاعتقاد بالمثل العامي "كذب تتزوج".
"سامية (25 سنة)، اسم مستعار من بين عشرات الأسماء التي تستعين بها كريمة للتواصل مع من تعتبرهم "شلة الشات"، لا هدف محدد لديها لتقمص شخصيات وأدوار مختلفة غير الاستئناس بلحظات التواجد أمام شاشة الكمبيوتر حسب ما تسر به هي لعبة فقط، فقد التقيت بالآلاف باختيار النقر العشوائي كلما وجدتني في حاجة إلى اكتشاف ما الذي يختبأ خلف عناوين "الإيمايلات" بداية اللعبة هي استعارة اسم لكل لقاء من لقاءاتي، وتحديد سن يقل بكثير عن عمري الحقيقي، والاستعانة بصورة شقيقتي لجمالها الفائق، والقيام في الكثير من الأحيان بدور ضحية لم تعد تجيد غير الإحساس بالحزن وعدم الثقة في الآخر، كنت أستمتع بالكذب وأتسلى إلى أن تبدأ لقاءاتي بالطرف الآخر عبر الأنترنيت ترسم لها مواعيد للقاء مباشر، لحظتها اضطر للانسحاب بأمان، باحثة عن موقع لعب آخر.

